الأخبارالرئيسية

شبح القرصنة الذي أذل شركات التجسس واختفى دون أثر.. من هو “فينياس فيشر”؟

على مدار العقود الماضية، شهد العالم ظهور العديد من القراصنة الإلكترونيين والمخترقين الذين أثاروا فضول الرأي العام، لكن قلة قليلة منهم استطاعت أن تحافظ على الغموض التام مثل فينياس فيشر (Phineas Fisher).

فبعد مرور أكثر من عقد كامل على أشهر عملياته السيبرانية المعقدة، لا يزال يتصدر قائمة أكثر القراصنة تأثيراً في التاريخ الحديث، دون أن تنجح أي جهة أمنية أو استخباراتية حول العالم في كشف هويته الحقيقية أو القبض عليه.

ويُنظر إلى فينياس في أوساط الأمن السيبراني باعتباره الأب الروحي لـ “القرصنة ذات الدوافع السياسية والأيديولوجية” (Hacktivism)، عقب تنفيذه ضربات متتالية هزت عرش صناعة برمجيات التجسس الحكومية حول العالم.

ضربات قاصمة هزت عرش شركات التجسس FinFisher وHacking Team

بدأ اسم فينياس فيشر يتردد بقوة في أغسطس 2014، عندما أعلن اختراقه لشركة Gamma Group المطورة لبرنامج التجسس الشهير FinFisher. ونشر عبر حساب ساخر على منصة “إكس” (تويتر سابقاً) كمية ضخمة من البيانات المسربة تضمنت البرامج التنفيذية، أدلة الاستخدام، وقوائم الأسعار، مسقطاً القناع عن واحدة من أكثر الشركات غموضاً.

لكن الضربة الأكبر والمنعطف التاريخي جاء بعد عام واحد فقط (2015)، عندما نجح في اختراق شركة Hacking Team الإيطالية، التي مهدت الطريق لظهور شركات لاحقة مثل NSO Group الإسرائيلية صاحبة برنامج “بيغاسوس”. وفي تلك العملية المذهلة، استولى فينياس على أكثر من 400 غيغابايت من البيانات الحساسة، شملت:

  • الشفرة المصدرية (Source Code) لأعتى برامج التجسس والمراقبة.

  • عشرات الآلاف من رسائل البريد الإلكتروني السرية والعقود الرسمية.

  • قوائم العملاء والحكومات التي تشتري هذه البرامج لمراقبة المعارضين والصحفيين.

وأسفرت هذه التسريبات عن فضائح دولية كشفت استخدام برامج التجسس في دول مثل الإكوادور والمكسيك وبنما، وكانت السبب المباشر في انهيار شركة Hacking Team الإيطالية وبيعتها لاحقاً مقابل يورو واحد فقط، في نهاية دراماتيكية صاغها فينياس بيده.

استهداف الشرطة والحزب الحاكم بتركيا والسطو على البنوك

لم تقف عمليات فينياس فيشر عند شركات التجسس، بل توسعت لتشمل أهدافاً سياسية وأمنية أخرى وفق رؤيته المناهضة للسلطوية، وأبرزها:

  1. نقابة شرطة كاتالونيا: حيث اخترق قواعد بياناتها ونشر مقالاً تفصيلياً (Playbook) يشرح فيه بالخطوات كيفية تنفيذ الهجوم لتشجيع الآخرين.

  2. الحزب الحاكم في تركيا: نفذ اختراقاً موسعاً لخوادم الحزب الحاكم، معلناً أن العملية جاءت كرسالة تضامن مع منطقة “روجافا” ذات الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.

  3. اختراق البنوك وتبرعات البيتكوين: كان آخر هجوم معروف له استهدف بنك “Cayman National Bank” في جزيرة مان، كاشفاً أنه نفذ عمليات قرصنة مالية لعدة بنوك على مدار سنوات، وموضحاً أنه استخدم تلك الأموال لتمويل قضايا يراها عادلة، بما في ذلك التبرع بـ 10 آلاف دولار على الأقل من عملة البيتكوين لدعم روجافا.

لغز الهوية: هل هو ناشط فوضوي أم مجرد شخصية وهمية للاستخبارات؟

على الرغم من التحقيقات الأمنية المكثفة، أغلق الملف الإيطالي لملاحقته دون التوصل لأي دليل ينتهي إلى هويته، بينما لم تتقدم شركة FinFisher بأي بلاغ رسمي أصلاً تفادياً لكشف المزيد من أسرارها. وخلال السنوات الأخيرة، قام فينياس بحذف كافة حساباته الرقمية وآثاره على شبكة الإنترنت، مغلقاً الستار على قصته.

وتتعدد النظريات حول هوية فينياس فيشر؛ فالبعض يراه ناشطاً سيبرانياً فوضوياً، بينما يعتبره آخرون مجرماً إلكترونياً، وتذهب نظريات أخرى إلى أنه اسم مستعار لعملية استخباراتية تديرها إحدى الدول. إلا أن فينياس طالما نفى علاقته بروسيا أو بأي حكومة، متعمداً إرباك المتابعين بقوله الشهير: “كل ما أقوله ويتضمن أدلة عن هويتي هو نصفه مزاح ونصفه معلومات مضللة”.

وبعد مرور أكثر من عقد على ظهوره، يظل فينياس فيشر لغزاً مستعصياً في تاريخ الأمن الرقمي، وشاهداً على أن بعض القراصنة نجحوا في ترك بصمة تاريخية دون الوقوع في قبضة القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock