
أحدثت شركة “هواوي” الصينية (Huawei) هزة قوية في أسواق المال والأمن التقني العالمي، بعد إعلانها الرسمي عن استراتيجية ثورية جديدة لتصميم وتصنيع أشباه الموصلات، أطلقت عليها اسم “قانون تاو للتوسع” (Tau Scaling Law).
النهج الجديد يمثل تمرداً تقنياً كاملاً على “قانون مور” التقليدي الذي اعتمدت عليه صناعة الرقائق لعقود والمتمثل في تصغير حجم الترانزستورات.
وعوضاً عن ذلك، تقدم هواوي تقنية “لوجيك فولدينغ” (LogicFolding) القائمة على الابتكار الهندسي في معمارية الرقاقة وتكديسها، وهو ما أثار حماسة استثمارية بالغة قفزت بأسهم شريكتها التصنيعية “SMIC” بنسبة 6%.
ما هي تقنية “لوجيك فولدينغ” البديلة لقانون مور؟
يقوم المفهوم التقني التقليدي لصناعة الرقائق على تكثيف ملايين الترانزستورات الأصغر حجماً على مساحة مسطحة لزيادة الأداء وخفض استهلاك الطاقة. لكن بسبب الحظر الأمريكي، عجزت الصين عن الوصول إلى آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV)، مما جمد قدرتها التصنيعية التجارية عند دقة 7 نانومتر.
هنا يأتي دور تقنية “لوجيك فولدينغ” (طيّ المنطق)؛ حيث تعتمد الفكرة على تقليص المسافة الفيزيائية التي تقطعها البيانات داخل المعالج نفسه، من خلال تقسيم التصميم المسطح التقليدي للرقاقة إلى طبقات متعددة من وحدات الحوسبة وتكديسها رأسياً فوق بعضها البعض.
هذا البناء الرأسي يسمح للمعلومات بالانتقال بسرعة هائلة بين الطبقات، محققاً طفرة في الأداء الحاسوبي للذكاء الاصطناعي دون الحاجة لتصغير حجم الترانزستور نفسه.
خارطة الطريق: التحديات الهندسية وطموح الـ 1.4 نانومتر
وضعت “هواوي” جدولاً زمنياً جريئاً يبدأ بطرح أولى رقائق “لوجيك فولدينغ” في هواتفها الذكية الرائدة، تليها خطة طويلة الأجل تستهدف إنتاج معالجات بأداء يكافئ دقة 1.4 نانومتر بحلول عام 2031.
ورغم أن هذا الجدول سيبقيها متأخرة ببضع سنوات عن عملاق التصنيع التايواني TSMC (التي تستهدف دقة 1.4 نانومتر في 2028)، إلا أنه سيقلص الفجوة التكنولوجية الحالية بشكل دراماتيكي.
ومع ذلك، تواجه هذه التقنية الجذرية عقبات هندسية وتجارية معقدة أبرزها:
معضلة تبديد الحرارة: الرقائق المسطحة التقليدية توفر مساحة سطح كبيرة لتشتيت الحرارة، بينما يؤدي التكديس الرأسي الكثيف إلى احتجاز الحرارة داخل الطبقات الداخلية، مما يتطلب ابتكار أنظمة تبريد بالغة التعقيد.
انخفاض معدل الإنتاج التجاري: زيادة عدد الطبقات المكدسة ترفع هندسياً من احتمالية حدوث عيوب تصنيعية في خطوط الإنتاج، مما قد يؤدي إلى تلف الرقائق وتقليل كمية المعالجات الصالحة للبيع تجارياً بصورة اقتصادية.
المخاوف الأمريكية ومفعول الارتداد العكسي للحظر
تنظر واشنطن وبكين إلى التفوق في معالجات الذكاء الاصطناعي كركيزة للأمن القومي والتفوق العسكري والسيبراني. ولهذا السبب، فرضت الإدارات الأمريكية قيوداً صارمة لمنع وصول الصين للمعدات الحيوية لمنعها من تطوير قدرات المراقبة والدفاع المتقدمة.
لكن التحرك الأخير لشركة “هواوي” يثبت صحة المخاوف التي أثارها قادة قطاع التكنولوجيا الأمريكيين سابقاً، ومنهم “جنسن هوانغ” الرئيس التنفيذي لشركة Nvidia.
حيث حذر الخبراء من أن تشديد الخناق التجاري على الصين لن يعطل نموها التقني للأبد، بل سيمثل وقوداً يدفع الشركات الصينية المحلية لتسريع وتيرة الابتكار الذاتي والاعتماد على الذات، وابتكار حلول هندسية غير متوقعة للالتفاف التام على الحظر ومواصلة المنافسة الشرسة في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.




