
أظهرت دراسة أجرتها مؤسسة «أوكسفورد إيكونوميكس» حول اقتصاديات التفاوض على أسعار الرحلات، أن إتاحة التفاوض المباشر بين الركاب والسائقين داخل تطبيقات النقل التشاركي يمكن أن تسهم في زيادة عدد الرحلات وتحسين كفاءة تسعير الخدمة، إلى جانب توسيع نطاق الوصول إلى المناطق والأوقات التي قد لا تخدمها أنظمة التسعير الثابتة بصورة كافية.
تسعير “إندرايف”
وركزت الدراسة على نموذج تسعير تطبيق إندرايف، ودور التفاوض داخل التطبيق، ومدى قدرته على تحسين آليات اكتشاف السعر وتحقيق توافق أكبر بين السعر الذي يدفعه الراكب والتكلفة التي يتحملها السائق، مع التركيز بشكل خاص على الأسواق الناشئة التي تتسم بتفاوت مستويات الدخول واختلاف الظروف الجغرافية وأنماط التنقل.
واعتمدت الدراسة على استطلاعات شملت ركابًا وسائقين في 7 أسواق ناشئة بمنطقتي أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، بهدف قياس أثر التفاوض على قرارات استخدام خدمات النقل وعدد الرحلات وإمكانية الوصول إلى الخدمة.
وخلصت النتائج إلى أن التفاوض على الأجرة يمكن أن يضيف رحلات جديدة إلى منظومة النقل، من خلال إتاحة اتفاقات متبادلة المنفعة بين السائق والراكب، كانت قد لا تتم في حال الاعتماد على سعر ثابت لا يعكس ظروف الطرفين.
وفي أمريكا اللاتينية، قال نحو ثلثي السائقين والركاب الذين شملهم الاستطلاع من مستخدمي تطبيق «inDrive» إنهم نفذوا رحلات أكثر مما كانوا سيقومون بها عبر خدمات أخرى، نتيجة إتاحة التفاوض على الأجرة.
وانعكس الاتجاه نفسه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث أظهرت نتائج الدراسة أن 65% من الركاب في مصر و43% من السائقين أفادوا بأن التفاوض على السعر دفعهم إلى تنفيذ رحلات إضافية مقارنة بما كان سيحدث في ظل نماذج التسعير الأخرى.
وفي المغرب، بلغت النسبة 64% بين الركاب و58% بين السائقين، بينما سجلت باكستان 59% من الركاب و54% من السائقين الذين أكدوا التأثير نفسه.
وترى «أوكسفورد إيكونوميكس» أن المرونة في تحديد الأجرة تحقق فوائد مختلفة لكل طرف من أطراف عملية النقل. فالراكب يستفيد من إمكانية الوصول إلى سعر يتناسب بصورة أكبر مع قدرته على الدفع وظروف الرحلة، بينما يحصل السائق على فرصة لتجنب الرحلات التي لا تحقق عائدًا مناسبًا مقارنة بالتكاليف التي يتحملها.
وتكتسب هذه المرونة أهمية أكبر في الأسواق الناشئة، التي تشهد تفاوتًا كبيرًا في مستويات الدخل وتكاليف التشغيل، فضلًا عن اختلاف المسافات وظروف الطرق ومستويات الطلب من منطقة إلى أخرى.
ولا يقتصر تأثير التفاوض على السعر، بحسب الدراسة، على تحسين القدرة على تحمل تكلفة الرحلة، إذ يمكن أن يسهم أيضًا في توسيع نطاق تغطية خدمات النقل إلى المناطق والأوقات التي تعاني عادةً من ضعف المعروض.
وتشمل هذه الحالات المناطق النائية أو الأقل كثافة سكانية، إلى جانب الرحلات في ساعات الليل المتأخرة، عندما قد لا يكون السعر المحدد مسبقًا كافيًا لتحفيز السائقين على توفير الخدمة.
وتشير النتائج إلى أن التفاوض يمكن أن يمثل آلية إضافية لاكتشاف السعر المناسب، بدلًا من الاعتماد بصورة كاملة على خوارزميات التسعير التي تحدد الأجرة وفق مجموعة من البيانات والمؤشرات.
ولا ترى الدراسة أن التفاوض يمثل بديلًا عن التسعير الخوارزمي، وإنما يمكن أن يعمل معه بصورة مكملة، من خلال إضافة عنصر المرونة إلى أنظمة التسعير الرقمية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية مع توسع الاعتماد على الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في قطاع النقل عند الطلب، حيث تعتمد المنصات على تحليل مستويات الطلب وتوافر السائقين والمسافات والوقت لتحديد الأسعار.
لكن اختلاف ظروف الأسواق الناشئة قد يجعل السعر المحدد آليًا غير مناسب في بعض الحالات، خصوصًا عندما تختلف تكلفة الرحلة الفعلية أو قدرة الراكب على الدفع أو استعداد السائق لقبول الرحلة.
وتشير الدراسة إلى أن السماح للطرفين بالتفاوض يخلق مساحة لاتخاذ قرار مشترك، بما يسمح بإتمام رحلات قد لا تحدث في نموذج التسعير الثابت، وهو ما يرفع من كفاءة استخدام الموارد المتاحة داخل منظومة النقل.
وبالنسبة للسائقين، يمكن أن يساعد التفاوض في تحسين العلاقة بين الأجرة والتكلفة، خاصة في الرحلات التي تتطلب مسافات أطول أو تنطلق من مناطق يقل فيها الطلب، بينما يمنح الركاب قدرة أكبر على الوصول إلى الخدمة وفق أسعار يتم الاتفاق عليها مسبقًا.
وتخلص الدراسة إلى أن التفاوض على أجور الرحلات يمكن أن يعزز كفاءة وإتاحة خدمات النقل عند الطلب، من خلال زيادة عدد الرحلات وتحسين قدرة الطرفين على الوصول إلى سعر مناسب.
كما ترى أن الجمع بين التسعير الخوارزمي والمرونة التي يوفرها التفاوض قد يمثل نموذجًا أكثر ملاءمة للأسواق التي تتسم بتنوع الظروف الاقتصادية والجغرافية، خصوصًا في الدول الناشئة.
وفي الحالة المصرية، تشير نتائج الدراسة إلى أن ارتفاع نسبة الركاب والسائقين الذين أفادوا بتنفيذ رحلات إضافية بفضل التفاوض يعكس وجود طلب على نماذج تسعير أكثر مرونة، بما قد يساهم في زيادة استخدام خدمات النقل التشاركي وتوسيع نطاقها إلى شرائح ومناطق جديدة.




