
في لقاء خاص وحصري مع صحيفة «الشرق الأوسط»، كشف آرت هُو، نائب الرئيس الأول ورئيس المعلومات لدى شركة «لينوفو» (Lenovo)، عن التفاصيل الهندسية المعقدة التي تدير بها الشركة النسخة الحالية من كأس العالم 2026.
وأوضح “هُو” أن هذه البطولة تمثل تحدياً غير مسبوق؛ فهي لا تقتصر على زيادة عدد المنتخبات إلى 48 فريقاً و104 مباريات فحسب، بل يكمن تعقيدها الأكبر في توزيعها الجغرافي الواسع عبر ثلاث دول (الولايات المتحدة، كندا، والمكسيك). هذا التشتت الجغرافي حوّل التكنولوجيا من مجرد أداة مساندة تعمل في الخلفية إلى بنية أساسية حرجة وعصب رئيسي يربط البث بالعمليات اللحظية.
العقل المدبر في ميامي: منصتا إدارة البطولة الموزعة
لضمان السيطرة الكاملة على مجريات البطولة، يدير «فيفا» والشركاء التقنيون العمليات من خلال منصتين مركزيتين تم تأسيسهما في مدينة ميامي الأمريكية، وتعملان بتكامل تام:
مركز قيادة التكنولوجيا (Technology Command Center): يُعد المحور المركزي المسؤول عن إدارة الأجهزة والبنية التشغيلية وفرق الدعم الفني. وقد زودت «لينوفو» هذا المركز بأكثر من 17 ألف جهاز، إلى جانب حشد تكتيكي لـ 350 مهندساً وموظفاً تشغيلياً لمراقبة سلامة الأنظمة في الملاعب، ومواقع البث، والمراكز الإعلامية.
مركز عمليات البطولة (Tournament Operations Center): يمثل “المركز العصبي” للبطولة؛ حيث يدمج كافة المجالات الوظيفية لـ«فيفا» في بيئة برمجية واحدة. يهدف المركز إلى تقديم “مصدر مشترك للحقيقة” يمنح المسؤولين رؤية موحدة وشاملة تمتد من الأنشطة الداخلية لكل ملعب إلى الاتجاهات العامة للبطولة.
قمرة القيادة المدعومة بالذكاء الاصطناعي الهجين (Hybrid AI)
أشار آرت هُو إلى أن «لينوفو» طورت منصة مركز القيادة الذكي، والتي يُطلق عليها داخل أروقة الفيفا اسم «قمرة القيادة» (The Cockpit). المنصة مبنية على هندسة الذكاء الاصطناعي الهجين التي تدمج البيانات التشغيلية في واجهة موحدة توفر رؤية حية وشاملة لحظة بلحظة.
لا يقتصر دور “قمرة القيادة” على عرض البيانات، بل يمتد إلى التنبؤ بالأزمات. وتتولى الخوارزميات تحليل التدفقات ومقاطعة البيانات لمنع الاختناقات قبل حدوثها في مجالات حيوية مترابطة تشمل: حركة المرور، تنقل المشجعين، سفر المنتخبات، إدارة كبار الشخصيات، وخدمات البث الإعلامي؛ حيث إن أي خلل في قطاع واحد (مثل تأخر المرور) قد يؤثر فوراً على توقيتات البث وحركة الجماهير.
الحوسبة الطرفية (Edge Computing): لماذا لا تكفي السحابة وحدها؟
في إجابة فنية حاسمة، أوضح رئيس تكنولوجيا لينوفو أن الاعتماد على “الحوسبة السحابية” وحدها في هذه البطولة يعتبر مستحيلاً تشغيلياً. والسبب يعود إلى الحاجة الملحّة لـ زمن تأخير منخفض جداً (Low Latency) عند معالجة الصور وإشارات البث التلفزيوني.
تتمركز خوادم الحوسبة الطرفية داخل مركز البث الدولي لاستقبال وتوزيع الإشارة بسرعة فائقة عبر شبكة توصيل محتوى منخفضة التأخير، وإرسالها إلى مراكز القيادة قبل وصولها إلى شاشات البث التلفزيوني العادي للمشاهدين. تستهدف هذه البنية خفض زمن التأخير في البث عبر بروتوكول الإنترنت (IPTV) إلى أقل من خمس ثوانٍ، وهو شرط تشغيلي أساسي لتمكين فرق العمليات ووسائل الإعلام من اتخاذ قرارات لحظية بناءً على أحداث الملعب الحقيقية.
تقنيات الميدان: صور ثلاثية الأبعاد للتسلل ومحلل افتراضي لـ 48 فريقاً
شهدت الملاعب والاتحادات في هذه البطولة إدخال أدوات قائمة على الذكاء الاصطناعي لتغيير تجربة اللعبة تكتيكياً وبصرياً:
تجسيد التسلل ثلاثي الأبعاد: يمتد الذكاء الاصطناعي إلى قرارات التسلل شبه الآلي عبر إنشاء صور رمزية رقمية (Avatars) ثلاثية الأبعاد تعيد بناء هيئة اللاعبين الفعلية بدقة (مثل ميسي أو مبابي أو هالاند) أثناء لقطة التسلل، مما يمنح الجماهير سياقاً بصرياً واقعياً لفهم سبب القرار بدلاً من النماذج العامة السابقة.
أداة FIFA AI Pro الموحدة: للمرة الأولى في تاريخ كأس العالم، تم تزويد المدربين والمحللين في المنتخبات الـ 48 بأداة محلل افتراضي تنسق عمل وكلاء أذكياء لتحليل ملايين نقاط البيانات وأكثر من 2000 مقياس مختلف للأداء. وتتميز الأداة بواجهة لغة طبيعية تتيح طرح الأسئلة والحصول على إجابات تكتيكية فورية، مما يسهم في تحقيق “تكافؤ الفرص” بين المنتخبات الكبرى وتلك التي تملك ميزانيات محدودة ولا تستطيع حشد أطقم تحليل ضخمة.
ولمواجهة المخاوف المتعلقة بتسريب الخطط، شدد “هُو” على أن ضوابط أمان وقوية وحماية الخصوصية كانت جزءاً أصيلاً ومدمجاً في صلب تطوير الأداة منذ البداية لحماية البيانات التنافسية لكل منتخب.
دروس مستفادة للمملكة العربية السعودية والشرق الأوسط
وعند سؤاله عن الدروس التي يمكن لـ المملكة العربية السعودية ومنطقة الشرق الأوسط استخلاصها من هذه البطولة، في ظل الطفرة الهائلة والتوسع في الاستثمار بالفعاليات الرياضية الكبرى والمرافق الذكية (مثل استعدادات السعودية لاستضافة أحداث كبرى ومستقبلية)، فضّل آرت هُو رصد التقييم النهائي بعد اختتام البطولة.
ومع ذلك، أكد بوضوح أن الحلول التي طورتها «لينوفو» في هذه النسخة – مثل مركز القيادة الذكي ونظام التوجيه الداخلي للمواقع – هي حلول مرنة وقابلة للنقل والتشغيل بالكامل في أي منطقة أو بيئة أخرى عابرة للغات والمواقع، وستشكل الركيزة الأساسية لإنجاح أي فعاليات ضخمة قادمة في المنطقة مدعومة بالذكاء الاصطناعي الهجين.




