
أثار أحدث إعلان ترويجي لشركة “أنثروبيك” (Anthropic)، المطورة لمساعد الذكاء الاصطناعي الشهير Claude، موجة عارمة من الجدل والانتقادات الحادة على منصات التواصل الاجتماعي.
حيث وصفه قطاع واسع من رواد التقنية والمتابعين بأنه “مقلق” و”سوداوي” و”كئيب”، في حين استغله سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI المنافسة، للسخرية علناً من التوجه التسويقي للشركة.
وجاء الإعلان، الذي حمل عنوان “هناك أمل في الأسئلة الصعبة”، بأسلوب مغاير تماماً للحملات الدعائية التقنية المبهجة والمستقبلية؛ إذ يبدأ بمشهد صادم لمنزل يلتهمه الحريق، ليتنقل بعدها عبر سلسلة من اللقطات القاتمة، تظهر أشخاصاً يخضعون للمراقبة اللصيقة عبر خوارزميات التعرف على الوجوه، ومشرداً ينام على الرصيف، وصفوفاً ممتدة من شواهد القبور في مقبرة، وصولاً إلى عمال يكدحون في مناجم بدائية لاستخراج المواد الخام التي تدخل في صناعة الإلكترونيات والهواتف الذكية.
ويصاحب هذه اللقطات خلفية صوتية لأسئلة تقشعر لها الأبدان يطرحها أشخاص مختلفون، من بينها: “هل يمكن حقاً الوثوق بالذكاء الاصطناعي؟” و”من سيضغط على زر التوقف إذا احتجنا إلى ذلك؟”
محاولة لتسويق الأخلاق والمسؤولية انتهت بنتائج عكسية
منذ تأسيسها على يد منشقين عن OpenAI، تحاول Anthropic دائماً تقديم نفسها كأكثر الشركات التزاماً بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وأمانه مقارنة بمنافسيها. ويبدو أن الشركة أرادت من خلال هذه الصدمة البصرية الاعتراف الصريح بالجانب المظلم والمخاطر الكارثية للتكنولوجيا، لإبراز نفسها كالطرف الأكثر وعياً بهذه التحديات والأجدر بقيادة دفة الحلول الآمنة.
لكن هذه الفلسفة التسويقية لم تترجم بالشكل المطلوب؛ إذ قوبلت الرسالة باستهجان واسع واعتُبرت محاولة فاشلة ومربكة للتواصل مع الجمهور.
سام ألتمان يسخر والوسط التقني يعلق: “أسوأ فريق اتصالات مؤسسية”
كان سام ألتمان، رئيس OpenAI، في مقدمة المتهكمين على الإعلان؛ حيث كتب عبر حسابه على منصة X أنه ظن في بادئ الأمر أن الفيديو عبارة عن “محاكاة ساخرة” (Parody)، وظل يبحث ليتأكد مما إذا كان الحساب الذي نشره حقيقياً أم مزيفاً يحمل اسم Claude AI.
وتوالت تعليقات العاملين والمستثمرين في وادي السيليكون؛ إذ كتب أحدهم واصفاً Anthropic بأنها “شركة برمجية مذهلة تمتلك أسوأ فريق اتصالات وتسويق مؤسسي على الإطلاق”. ورأى خبراء آخرون أن القائمين على الشركة يعيشون في “فقاعة نرجسية” جعلتهم يعتقدون أن بث الرعب سيكسبهم ود المشترين والشركات.
لقطة المقبرة تثير الغضب ومقارنات بفيلم غموض من السبعينيات
رغم أن فكرة الاعتراف بمشكلات القطاع لاستعراض القدرة على حلها تعد إستراتيجية تسويق كلاسيكية، فإن تطبيقها في هذا الإعلان جاء عنيفاً؛ حيث حصد مشهد المقبرة، الذي يشبه إلى حد كبير مقبرة أرلينغتون الوطنية في الولايات المتحدة، الحصة الأكبر من الغضب العام، خاصة وتزامنه مع سؤال “من سيضغط على زر التوقف؟”، وهو ما اعتبره معلقون لقطة غريبة ومقحمة تثير الاكتئاب وتتجاوز حدود الترويج التجاري.
وقارن مدونون ومحللون الإعلان بفيلم الغموض الشهير The Parallax View الصادر في عام 1974، والذي يتناول قصة شركة غامضة وشريرة تقوم بغسل أدمغة الأشخاص لتجنيدهم كقتلة مأجورين، معتبرين أن إثارة مثل هذا الانطباع الذهني لا تخدم إطلاقاً شركة تحاول إقناع العالم بمسؤوليتها ونواياها الأخلاقية.
تاريخ من الإعلانات المثيرة للجدل لمطورة Claude
لا تعد هذه المرة الأولى التي تخطف فيها Anthropic الأنظار بحملاتها الإعلانية؛ ففي فبراير الماضي، وخلال نهائيات دوري كرة القدم الأمريكية (Super Bowl)، أطلقت سلسلة من الإعلانات الساخرة والذكية التي انتقدت بشدة توجه OpenAI لإدراج الإعلانات التجارية داخل ChatGPT. وحصدت تلك الحملة آنذاك تفاعلاً إيجابياً كبيراً برغم إثارتها لغضب منافستها المباشرة.
إلا أن المغامرة الإعلانية الجديدة لعام 2026 لم تصب في مصلحة الشركة؛ إذ تحولت محاولتها لإثبات تفوقها الأخلاقي إلى مادة خصبة للانتقادات، مما يطرح تساؤلات حقيقية حول جدوى الإعلانات القائمة على التخويف في كسب ثقة المستهلكين والمستثمرين في قطاع الذكاء الاصطناعي.



