
لسنوات طويلة، عاش المسافرون تحت وطأة هاجس تقني يشير إلى أن نسيان تفعيل “وضع الطيران” (Airplane Mode) قد يتسبب في كارثة جوية أو يعطل أجهزة الملاحة لقائد الطائرة.
إلا أن التقارير والدراسات الحديثة الصادرة في عام 2026 تؤكد أن هذه القاعدة الصارمة أصبحت أشبه بـ “بروتوكول تقليدي”؛ فالطائرات الحديثة محصنة تماماً ضد إشارات الهواتف، والسبب الحقيقي وراء استمرار هذا الحظر بات يتعلق براحة الركاب وسلوكياتهم داخل المقصورة أكثر من كونه تهديداً لسلامة الطيران.
تطور التكنولوجيا: كيف انتهى عصر التداخل الإشاراتي؟
القيود التي فرضتها هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية (FCC) عام 1991 كانت منطقية في وقتها، لكن الهواتف والشبكات اليوم تعمل بفلسفة مختلفة تماماً:
حماية الشبكات الأرضية لا الطائرات: في التسعينيات، كانت الهواتف تعمل بترددات قديمة (مثل نطاق 800 ميجاهرتز). الخوف الأساسي كان يكمن في أن الهاتف أثناء تحليقه بسرعة عالية سيمر فوق آلاف الأبراج الأرضية في وقت وجيز، محاولاً الاتصال بها جميعاً في آن واحد، مما يسبب ضغطاً واختناقاً لشبكات الاتصالات على الأرض، وليس حرق أجهزة الطائرة.
حصانة الطائرات الحديثة: أجرت هيئة الطيران الفيدرالية (FAA) وعمالقة صناعة الطيران مثل Boeing و Airbus اختبارات مكثفة عبر تعريض كابينة القيادة لإشارات خلوية مكثفة، وأثبتت النتائج عدم وجود أي حالة مؤكدة لتداخل هذه الموجات مع أنظمة الملاحة المحمية بمستويات عزل فيزيائية متطورة.
ثورة الـ 5G داخل الطائرة: تتبنى بعض الخطوط الجوية، لا سيما في الاتحاد الأوروبي، تقنية الخلايا الصغيرة (Picocells)؛ وهي عبارة عن محطات بث مجهرية داخل الطائرة تعمل كجسر وسيط، تتيح للمسافرين الاتصال بالشبكة محلياً وبطاقة منخفضة دون أن يضطر الهاتف لبث موجات قوية للوصول إلى الأرض.
التناقض الظاهري: لماذا يُسمح بالـ Wi-Fi ويُحظر الاتصال الخلوي؟
يرى الكثير من المسافرين تناقضاً في سماح الشركات باستخدام الإنترنت اللاسلكي (Wi-Fi) على متن الرحلات مقابل إجبارهم على قفل الشبكة العادية، ولكن الفارق التقني يوضح السبب:
طبيعة الاتصال بالإنترنت الجوي: شبكات الـ Wi-Fi داخل الطائرة لا تبحث عن أبراج في الشوارع؛ بل تتصل مباشرة بأقمار صناعية مخصصة أو عبر نظام (Air-to-Ground) من خلال هوائي مثبت أسفل الطائرة مصمم لامتصاص الإشارات بطريقة مقننة وموجهة لا تسبب أي عشوائية في البث.
المكالمات عبر التطبيقات: تتيح هذه الشبكات إرسال الرسائل وإجراء المكالمات عبر تطبيقات الإنترنت (مثل واتساب)، مما يثبت أن الحظر الخلوي هو حظر تنظيمي للترددات وليس منعاً للتواصل الرقمي.
السبب الحقيقي المقنع: مكافحة “الشغب الجوي” والإزعاج
إذا كانت الطائرات آمنة تقنياً، فلماذا تصر الحكومات والشركات على تفعيل وضع الطيران؟ الإجابة تكمن في الجانب النفسي والسلوكي للبشر:
منع التلوث السمعي: تخيل أن تجلس في مقعدك لعدة ساعات وسط 200 راكب، وكل منهم يجري مكالمات هاتفية بصوت مرتفع مع عائلته أو زملائه في العمل؛ سيتحول السفر الجوي إلى بيئة طاردة ومستفزة للأعصاب.
الحد من العنف الجوي: شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً في حوادث المشاجرات والشغب بين الركاب داخل الطائرات. وتدرك نقابات الضيافة الجوية أن السماح بالمكالمات الهاتفية المستمرة قد يكون فتيلاً لإشعال مشاحنات جديدة، لذا يفضلون إبقاء الأجواء هادئة لإتاحة المجال لسماع تعليمات السلامة الطارئة من طاقم الطائرة.
البيروقراطية التشريعية: إلغاء القوانين يحتاج لتنسيق معقد وتعديل لوائح بين هيئات مختلفة (مثل هيئات الاتصالات وهيئات الطيران المدني في كل دولة)، وهو مسار قانوني طويل لا ترى شركات الطيران منفعة تجارية ضخمة في الاستعجال لخوضه.




