
في خطوة أثارت اهتمام الأوساط التقنية والحكومية حول العالم، اتجهت جهات حكومية في فرنسا إلى تقليل الاعتماد على نظام Microsoft Windows، والتوسع في استخدام أنظمة مفتوحة المصدر وعلى رأسها Linux، ضمن استراتيجية أوسع لتحقيق السيادة الرقمية وتقليل التبعية للشركات الأجنبية.
وتعود جذور هذا التوجه إلى سنوات سابقة، حين بدأت مؤسسات حكومية فرنسية، أبرزها الدرك الوطني (Gendarmerie)، في البحث عن بدائل لأنظمة التشغيل التجارية، بهدف خفض التكاليف وتعزيز التحكم في البنية التحتية الرقمية.
وقد أطلقت هذه الجهات نظامًا داخليًا قائمًا على لينكس، عُرف باسم “GendBuntu”، وهو نسخة معدلة من نظام Ubuntu، تم تصميمها لتلبية احتياجات العمل الحكومي.
دوافع القرار سيادة رقمية وتوفير التكاليف
الدافع الرئيسي وراء هذا التحول لم يكن تقنيًا فقط، بل استراتيجيًا أيضًا. فالحكومة الفرنسية سعت إلى تقليل الاعتماد على حلول مغلقة المصدر، والتي قد تفرض قيودًا على التخصيص أو تثير مخاوف تتعلق بالخصوصية والسيادة على البيانات.
كما لعب العامل الاقتصادي دورًا مهمًا، إذ ساهم التحول إلى لينكس في تقليل تكاليف التراخيص والدعم الفني المرتبطة باستخدام أنظمة تشغيل مدفوعة، وهو ما وفر ملايين اليوروهات على المدى الطويل.
التنفيذ التدريجي بدلًا من التحول المفاجئ
لم يكن القرار تحولًا شاملًا وفوريًا، بل تم تطبيقه بشكل تدريجي وعلى مراحل. بدأت العملية بتجربة الأنظمة المفتوحة المصدر في نطاق محدود، ثم توسعت تدريجيًا لتشمل آلاف الأجهزة داخل المؤسسات الحكومية.
واعتمدت الجهات المعنية على تدريب الموظفين وتوفير الدعم الفني اللازم، لضمان انتقال سلس دون التأثير على سير العمل، خاصة أن التغيير في بيئة العمل الرقمية قد يواجه مقاومة في البداية.
تحديات واجهت التجربة
ورغم النجاحات، لم تخلُ التجربة من التحديات، أبرزها التوافق مع بعض التطبيقات والأنظمة القديمة المصممة خصيصًا للعمل على “ويندوز”، إلى جانب الحاجة لتأهيل الموظفين على استخدام بيئة جديدة.
كما أن بعض الإدارات الحكومية لا تزال تعتمد جزئيًا على أنظمة “ويندوز”، ما يعكس أن التحول الكامل لم يتحقق بعد، وأن الأمر يتعلق باستراتيجية طويلة الأمد وليست قرارًا لحظيًا.
نموذج يُحتذى به عالميًا
تجربة فرنسا شجعت العديد من الحكومات حول العالم على دراسة إمكانية الاعتماد على البرمجيات مفتوحة المصدر، خاصة في ظل تصاعد الاهتمام بالأمن السيبراني والسيادة الرقمية.
وفي هذا السياق، لم يعد التحول إلى لينكس مجرد خيار تقني، بل أصبح جزءًا من رؤية أوسع لإعادة تشكيل البنية الرقمية للدول، بما يضمن استقلالية أكبر ومرونة أعلى في إدارة الأنظمة.
في النهاية، لا يمكن القول إن فرنسا “تخلت بالكامل” عن “ويندوز”، لكنها بالتأكيد اتخذت خطوات جادة لتقليل الاعتماد عليه، وبناء منظومة رقمية أكثر استقلالًا تعتمد بشكل متزايد على “لينكس” والحلول مفتوحة المصدر، في إطار توجه عالمي متصاعد نحو إعادة تعريف السيطرة على التكنولوجيا والبيانات.



